محمد بن جرير الطبري
409
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عز وجل . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ومعنى قوله جل ثناؤه : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً إنا أرسلناك يا محمد بالإِسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأَديان وهو الحق مبشرا من اتبعك فأطاعك وقبل منك ما دعوته إليه من الحق ، بالنصر في الدنيا ، والظفر بالثواب في الآخرة ، والنعيم المقيم فيها ؛ ومنذرا من عصاك فخالفك ورد عليك ما دعوته إليه من الحق بالخزي في الدنيا ، والذل فيها ، والعذاب المهين في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ وقال أبو جعفر : قرأت عامة القراء : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ بضم التاء من " تسأل " ورفع اللام منها على الخبر ، بمعنى : يا محمد إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، فبلغت ما أرسلت به ، وإنما عليك البلاغ والإِنذار ، ولست مسؤولا عمن كفر بما أتيته به من الحق وكان من أهل الجحيم . وقرأ ذلك بعض أهل المدينة : وَلا تُسْئَلُ جزما بمعنى النهي مفتوح التاء من " تسأل " ، وجزم اللام منها . ومعنى ذلك على قراءة هؤلاء : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا لتبلغ ما أرسلت به ، لا لتسأل عن أصحاب الجحيم ، فلا تسأل عن حالهم . وتأول الذين قرءوا هذه القراءة جزما بمعنى النهي مفتوح التاء من " تسأل " ، وجزم اللام منها ما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليت شعري ما فعل أبوي أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم " فنزلت وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ . . . . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثا ، فنزلت : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ فما ذكرهما حتى توفاه الله . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني داود بن أبي عاصم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : " ليت شعري أين أبواي ؟ " أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ . والصواب عندي من القراءة في ذلك لا تسأل قراءة من قرأ بالرفع على الخبر ؛ لأَن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى ، وذكر ضلالتهم ، وكفرهم بالله ، وجراءتهم على أنبيائه ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنا أرسلناك يا محمد بشيرا من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه ، ونذيرا من كفر بك وخالفك ، فبلغ رسالتي ، فليس عليك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة ، ولا أنت مسؤول عما فعل بعد ذلك . ولم يجر لمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عن أصحاب الجحيم ذكر ، فيكون لقوله : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ وجه يوجه إليه . وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم ، حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره ؛ فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك . ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن أن يسأل في هذه الآية عن أصحاب الجحيم ، ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنزيل . والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ، دون النهي عن المسألة عنهم . فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح ، فإن في استحالة الشك من الرسول عليه السلام في أن أهل الشرك من أهل الجحيم ، وأن أبويه كانا منهم ، ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب إن كان الخبر عنه صحيحا ، مع أن ابتداء الله الخبر بعد قوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً بالواو يقول : فلا تسأل عن أصحاب الجحيم ، وتركه وصل ذلك بأوله بالفاء ، وأن يكون : " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا " ، " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " ، أوضح الدلائل على أن الخبر بقوله : " ولا تسأل " ، أولى من النهي ، والرفع به أولى من